تركيا بالعربي

أردوغان يتناول ملفات هامة ويتحدث عن قطر والإمارات وفلسطين

نشرت صحيفة “بينينسولا” القطرية مقابلة حصرية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مع رئيس التحرير خالد مبارك آل شافي، خلال زيارته الرسمية إلى قطر الأربعاء.

وقد تحدث الرئيس التركي في المقابلة التي ترجمتها “عربي 21″، عن مجموعة واسعة من القضايا بداية من التعاون الاستراتيجي الثنائي بين قطر وتركيا، والذي يقدم “أفضل مثال على التعاون القائم على أساس تحقيق المصالح المشتركة”.

وقالت الصحيفة إن البلدين الحليفين يواصلان التشاور حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، ويشمل ذلك مجالات الاقتصاد والصناعة والدفاع والأمن والاستثمار والطاقة.

وحسب الصحيفة، تبلغ القيمة الإجمالية للمشاريع التي نفذتها الشركات التركية في قطر 18.5 مليار دولار. كما وقعت قطر وتركيا أكثر من 50 اتفاقية حتى الآن في نطاق آلية اللجنة الاستراتيجية العليا التي تأسست سنة 2014.

وأكد الرئيس أردوغان في المقابلة أن قيادة القوات المشتركة بين تركيا وقطر تعتبر رمز الأخوة والصداقة والتضامن والإخلاص بين البلدين.

كما تحدث عن الدعاية السلبية التي يُروّج لها بشأن القاعدة العسكرية التركية في الدوحة، رافضا “المزاعم الباطلة” ومشددا على أن “التواجد العسكري التركي يخدم الاستقرار والسلام، ليس فقط بالنسبة لدولة قطر بل وأيضا لمنطقة الخليج بأكملها”.

وفيما يتعلق بالحرب الأهلية المستمرة منذ ثماني سنوات في سوريا، قال أردوغان إن بلاده لا يمكن أن تظل غير مبالية بالأزمة التي أودت بحياة مليون شخص وشردت حوالي 12 مليون آخرين.


وفي المقابلة، تطرق الرئيس أردوغان إلى العديد من القضايا بما في ذلك علاقة تركيا مع المملكة العربية السعودية، وأزمة الخليج الحالية، والتعاون الاستراتيجي مع الولايات المتحدة في مجالات مثل مكافحة الإرهاب والديمقراطية وعدم الاستقرار وإنهاء النزاعات. 

كما تحدث أردوغان عن “صفقة القرن” لتسوية القضية الفلسطينية، واصفاً إياها بأنها “خطة تتجاهل حقوق الفلسطينيين، وتلغي حل الدولتين على أساس حدود سنة 1967، وتضفي الشرعية على سياسات الاحتلال وضم الأراضي”. 

وتحدث الرئيس التركي أيضا عن عدد من القضايا الإقليمية على غرار الوضع في ليبيا، والعلاقات بين تركيا واليونان والاشتباكات الجارية بين أذربيجان وأرمينيا. 

وتاليا النص الكامل للمقابلة :

يعتبر التعاون الوثيق بين قطر وتركيا في العديد من المجالات طيلة 47 سنة أمرا رائعا. وقد تحسنت العلاقات الثنائية بشكل ملحوظ في السنوات الثماني الماضية. ما هي العوامل التي تُمكّن قادة البلدين من إقامة مثل هذه العلاقات الاستراتيجية؟

تركيا وقطر دولتان شقيقتان تربطهما علاقات تاريخية وثقافية وإنسانية عميقة الجذور. لدينا علاقات استراتيجية واسعة النطاق تتراوح بين الاقتصاد والصناعة والدفاع والأمن والاستثمار والطاقة.

ولقد وقعنا حتى الآن أكثر من 50 اتفاقية في نطاق آلية اللجنة الاستراتيجية العليا التي تأسست سنة 2014. وعقدنا الاجتماع الخامس للجنة في 25 تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 في الدوحة.

بالإضافة إلى ذلك، تقدم تركيا فرصًا مغرية في العديد من المجالات على غرار العقارات والتمويل والتكنولوجيا والدفاع والاتصالات للمستثمرين القطريين. وفي سنة 2019، ارتفعت صادراتنا نحو قطر بنحو 10 بالمئة مقارنة بالسنة التي سبقتها. 

وتعمل حاليا في قطر حوالي 500 شركة تركية، وتبلغ القيمة الإجمالية للمشاريع التي تنفذها شركات المقاولات 18.5 مليار دولار.

لهذا السبب، أعتقد أن تركيا وقطر تقدمان أفضل مثال على التعاون القائم على أساس تحقيق المصلحة للجميع.

وسوف نعمل على تعميق تعاوننا في المشاريع المشتركة خاصة قبل دورة كأس العالم لكرة القدم التي تحتضنها قطر سنة 2022.

ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه تركيا كدولة وكقطاع خاص في الاستعدادات لكأس العالم 2022 الذي سيقام في المنطقة لأول مرة؟
يتطلب كأس العالم 2022 عملًا تحضيريًا جادًا، ليس فقط من حيث الاستثمارات في البنية التحتية، بل وأيضًا في مجالات واسعة النطاق بدءا من الأمن وصولا إلى التنظيم. ونحن على يقين من أن أصدقاءنا القطريين سينظمون البطولة بنجاح. 

في الماضي، استضفنا أيضًا العديد من الأحداث الرياضية في تركيا. وقد اكتسبنا خبرة واسعة في هذا المجال، ولدينا خطط مختلفة لنقل هذه الخبرة لأشقائنا القطريين.

وبإذن الله، سنعمل مع الحكومة القطرية بشكل خاص في مجال الأمن والبنية التحتية، وسوف نقدم كل أنواع الدعم لضمان نجاح هذه البطولة المهمة.

تتقدم جهود حل أزمة الخليج ببطء شديد. وترى بعض الأطراف أن العلاقة بين تركيا وقطر والوجود العسكري التركي في قطر يشكل عقبة إضافية تحول دون حل الأزمة. كيف ستؤثر التسوية الخليجية على العلاقات القطرية التركية وعلى الوجود العسكري التركي في الدوحة؟
تشكل مشاريعنا المشتركة مع قطر في مجال الصناعة العسكرية والأمنية والدفاعية أساس علاقاتنا الثنائية.

وتعتبر قيادة القوات المشتركة بين تركيا وقطر رمز الأخوة والصداقة والتضامن والإخلاص بين بلدينا. ومن المؤكد أن أولئك الذين يروجون للدعاية السلبية حول قاعدتنا ليسوا من ذوي النوايا الحسنة.

إن التواجد العسكري التركي يخدم الاستقرار والسلام ليس فقط في دولة قطر الشقيقة، بل وأيضًا في منطقة الخليج بأكملها.

ولا ينبغي لأحد أن ينزعج من تركيا ومن تواجدها العسكري في الخليج ما عدا الذين يخططون لإحداث الفوضى.

بصفتنا كدولة وكأمة تركية، لا يسعنا أبدًا أن ننسى تضامن قطر مع بلدنا في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 تموز/ يوليو.

كما أننا بذلنا قصارى جهدنا للتغلب على الحصار الجائر والعقوبات المفروضة على إخواننا وأخواتنا في قطر، وما زلنا نفعل ذلك.

و نأمل أن تُحَلّ الأزمة المستمرة منذ ثلاث سنوات في أسرع وقت ممكن. كما يسرنا أن نرى قطر تخرج بقوة من الحصار رغم كل أشكال الظلم.

كيف تنظرون إلى مستقبل علاقات تركيا مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة؟
تعمل تركيا على تطوير علاقاتها مع جميع الدول على أساس العدل والمساواة واحترام المصالح والنزاهة. ونحن دائمًا ما نبقي أبوابنا وقلوبنا مفتوحة لكل من لا يكن العداوة لأمتنا ولا يبذل جهودًا لتقويض مصالح بلدنا.

تربطنا علاقة خاصة وصداقة متينة مع المملكة العربية السعودية، وبشكل خاص مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز.

لقد حاولنا حتى الآن الوفاء بمتطلبات هذه الصداقة وميثاق الأخوة الذي يجمعنا بغض النظر عن القضايا الراهنة، وسنستمر على النهج ذاته مستقبلا. 

من ناحية أخرى، فإن الأنشطة التي تقوم بها أبو ظبي، سواء في الخليج أو في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، من ليبيا مرورا بسوريا وفلسطين، هي للأسف سلبية للغاية.

في ليبيا، لا يمكن لنا أن نتقبل الموقف العدائي تجاه حكومة الوفاق الوطني المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، حيث تشكل أبو ظبي أكبر داعم للانقلابي حفتر بالأسلحة والذخيرة والتمويل. 

يجب التخلي بأسرع وقت ممكن عن هذه السياسات التي لا تفيد أحدا باستثناء أولئك الذين يقتاتون على الاضطرابات وسفك دماء المسلمين في منطقتنا.

من الواضح أن مساعي الإمارات العربية المتحدة لزيادة التوتر عبر خطوات استفزازية، وموقفها في الجبهة المناهضة لتركيا، والتي لا تعترف بأنشطتنا في شرق المتوسط بما يتماشى مع حقوقنا ومصالحنا، لا تخدم السلام في المنطقة.

كلما اتخذت تركيا خطوة لجعل حدودها السورية آمنة من التهديدات التي تشكلها الجماعات الإرهابية، هدّدتكم الولايات المتحدة بفرض عقوبات اقتصادية.

هل يعني هذا أن العلاقات بين الحليفين الاستراتيجيين (تركيا والولايات المتحدة) تحوّلت من تحالف يحمي مصالحهما المشتركة، إلى علاقة تنافس في المنطقة؟
لدينا تعاون استراتيجي متجذر ومتعدد الأبعاد مع الولايات المتحدة. إن التفكير بالشكل ذاته والتصرف بالطريقة ذاتها في جميع القضايا، يتعارضان مع طبيعة العلاقات الدولية بين الدول ذات المصالح المختلفة.

القضية الرئيسية هنا هي الحفاظ على العلاقات على أساس المصالح الثنائية، بغض النظر عن الاختلافات في الرأي. 

على الرغم من اتخاذنا مواقف منفصلة عن الولايات المتحدة في عدد من القضايا من وقت لآخر، فقد أولينا أهمية كبيرة لعدم تقويض الشراكة الاستراتيجية بيننا.

لكن في السنوات الأخيرة، واجهتنا بعض الصعوبات مع الإدارة الأميركية بسبب الدعم الذي تقدمه لحزب العمل الكردستاني ووحدات حماية الشعب الإرهابية في سوريا، ورفضها تسليم زعيم جماعة غولن المسؤولة عن محاولة الانقلاب الدموية في بلادنا في 15 تموز/ يوليو. 

من الواضح أن الولايات المتحدة وحدها، بل تواصل بعض دول الناتو التعاون مع حزب العمل الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الإرهابية، وحماية أعضاء جماعة غولن، وهو ما يضر بالعلاقات داخل الحلف. 

كبلد حليف، توقعنا أن نرى تضامنا كبيرا مع بلدنا في كلتا القضيتين؛ للأسف، لم تتحقق تلك التوقعات. كانت بعض الأطراف في الإدارة الأميركية تنظر إلى حزب العمل الكردستاني ووحدات حماية الشعب الإرهابية باعتبارهم شركاء للولايات المتحدة في سوريا، وتقدم لها الدعم والحماية.

على نحو خاص، أظهر بعض من تبقوا من الإدارة الأميركية السابقة موقفا متعنتا في عدد من القضايا العسكرية والأمنية.

في المقابل، قمنا بخلق أجواء إيجابية في علاقاتنا الثنائية مع الولايات المتحدة عند تولي ترامب منصبه، حيث أن مواقفنا تتقاطع بشكل متزايد، سواء في القضايا الإقليمية أو في العديد من القضايا الأخرى، مثل التجارة والاستثمارات.

نحن نركز على مصالحنا المشتركة بدلاً من الخلافات. ولقد وضعت مع ترامب هدفًا يتمثل في تنمية التجارة الثنائية إلى 100 مليار دولار، ونحن ملتزمون بتحقيق هذا الهدف. سنواصل العمل مع الولايات المتحدة في جميع المنابر، بما في ذلك داخل الناتو، بشأن قضايا تشمل مكافحة الإرهاب والديمقراطية وحالات عدم الاستقرار وإنهاء النزاعات.

تتهم بعض الأوساط تركيا بتنفيذ عمليات في شمال سوريا لتحقيق أهدافها. ما تعليقكم بشأن هذه الاتهامات؟

تشترك بلادنا بحوالي 911 كيلومترا من الحدود مع سوريا. نحن أحد البلدان الأكثر تضررًا من النزاعات التي بدأت في عام 2011.

لم نكن لنتجاهل أزمة انجر عنها مقتل مليون شخص وتشريد 12 مليون مواطن. حتى الآن، استشهد المئات من مواطنينا في هجمات انطلقت من سوريا.

ولقد تحملت تركيا عبئًا ثقيلًا من النواحي الإنسانية والاجتماعية، والمادية أيضًا، حيث نستضيف حاليا 3.7 مليون من طالبي اللجوء السوريين. 

لن تسمح أي دولة لمنظمة إرهابية بالنشاط على حدودها. لقد خضنا معركة حازمة ضد كل من داعش وحزب العمال الكردستاني ووحدات حماية الشعب الإرهابية.

ومن خلال عملية درع الفرات، أخرجنا إرهابيي داعش من جرابلس وأعزاز والباب، ونحن الدولة الوحيدة التي دخلت في صراع مباشر مع داعش، واستشهد جنودها من أجل تلك القضية.

وبالمثل، من خلال عمليتي غصن الزيتون ونبع السلام، أبعدنا حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب الإرهابية، الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني، عن حدودنا.

طهرنا مساحة 8300 كيلومتر مربع كانت تحت احتلال داعش وحزب العمل الكردستاني ووحدات حماية الشعب، من الإرهاب، وسلمنا تلك الأراضي لأصحابها الحقيقيين. 

وبفضل الجهود التي تبذلها تركيا والجيش السوري الحر، أعدنا الاستقرار والسلام إلى مناطق عاشت الإرهاب والفظاعات والقمع.

عاد 411 ألف لاجئ سوري إلى هناك حتى الآن. إن وجود تركيا على الأراضي السورية ليس بالأمر الدائم؛ لا نطمع بأراضي أحد. عندما يتم حل الأزمة بصورة نهائية، سينتهي وجودنا في سوريا.

لكن إلى حين تلك المرحلة، سنواصل مكافحة الإرهاب والتصدي للهجمات ضد بلادنا في إطار حقنا المشروع في الدفاع عن النفس واتفاقية أضنة. لن نسمح لإدلب أو غيرها من الأراضي السورية بأن تصبح تهديدًا لأمن بلادنا.

تركيا شديدة الوضوح والتصميم فيما يتعلق بـ”صفقة القرن”. ماذا سيتبع هذا الاتفاق برأيك؟ وهل سيتم تنفيذه بالكامل؟

عندما تم الإعلان عن الخطة، كانت تركيا من الدول التي ردت عليها بصرامة. يستحيل علينا قبول خطة لم يوافق عليها إخواننا وأخواتنا في فلسطين، بغض النظر عن الشكل الذي تُسوّق به الصفقة.

إن الخطة التي تتجاهل الحقوق المشروعة للفلسطينيين، وتلغي حل الدولتين على أساس حدود 1967، وتُشرّع سياسات الاحتلال وضم الأراضي، ليس لها فرصة للنجاح، بل إنها خطة ميتة منذ لحظة الإعلان عنها. لا نرى أي إمكانية لتنفيذ خطة كهذه.

صادقت الأمم المتحدة مؤخرا على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة والحكومة الليبية المعترف بها دوليا. ما هو تعليقكم بشأن هذا التطور؟
حكومة الوفاق الوطني بقيادة السراج هي الممثل الشرعي الوحيد لليبيا، والمعترف به من قبل المجتمع الدولي.

وقعت تركيا وليبيا، اللتان تمتلكان أطول شريط ساحلي في البحر الأبيض المتوسط، مذكرتي تفاهم بشأن ترسيم الحدود البحرية، والتعاون العسكري.

وقد أثبت توثيق هذه المذكرة من قبل الأمم المتحدة أن الخطوة التي اتخذناها لا تعارض القانون الدولي والمواثيق المعمول بها.

استنادا إلى طلب الحكومة الشرعية، اضطلعت القوات المسلحة التركية بمهام تدريبية ودعم عسكري في ليبيا. في المقابل، لا يحظى حفتر الانقلابي بالشرعية ولا الاعتراف الدولي في الحرب القذرة والدموية التي يشنها بالتعاون مع بعض الكتائب والميليشيات الأجنبية ضد الحكومة الشرعية.

حفتر هو أيضا من المرتزقة، ومن خلال تعنته في موسكو وفي مؤتمر برلين، أظهر للعالم بأسره أنه لا ينوي التوصل إلى وقف لإطلاق النار وحلّ للأزمة. لذلك، ستتغلب الحكومة الشرعية على القوات الانقلابية.

لا بد من استغلال الفرصة التي تمخضت عن السلام الذي تحقق على أرض الواقع نتيجة لمبادرات تركيا، والتي ستسهم في الحفاظ على السلام والاستقرار في ليبيا وفي المنطقة بأكملها. 

ما هو رأيك في آخر التطورات في شرق البحر الأبيض المتوسط، وماذا عن خطة “الوطن الأزرق” التي وضعتها تركيا؟ 

لطالما دعمت تركيا التوزيع العادل لثروات شرق البحر الأبيض المتوسط على الدول المطلة عليه. لقد أكدنا على ذلك في جميع مبادراتنا الدبلوماسية. إلا أن الدول المنزعجة من وجود تركيا، ولا سيما اليونان، تبنت موقفًا أثار بعض الاضطرابات جراء اتخاذها بعض الإجراءات أحادية الجانب.

أما السبب الذي يجعل فرنسا، المعروفة بإرثها الاستعماري، تحرّض اليونان وقبرص اليونانية والآن أرمينيا، هو الدور المهم الذي تلعبه تركيا في المنطقة. 

قضية بحر إيجه والبحر الأبيض المتوسط من القضايا التي لن تتراجع عنها تركيا أبدا. لقد عبّرنا بصوت عالٍ في كل المحافل بأننا لن نقبل أي حلٍّ يتجاهل تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية ويحاصرنا على الشواطئ، وسنواصل القيام بذلك. سنواصل بحزم حماية حقوقنا ومصالحنا والدفاع عنها في جميع الظروف والأوقات. 

أولئك الذين رأوا تصميمنا في شرق البحر الأبيض المتوسط وأدركوا أنهم لا يستطيعون أن يجعلوا بلدنا يتراجع بتهديدات ومحاولات ابتزاز يائسة، امتثلوا في نهاية المطاف لدعواتنا للحوار. 

منذ البداية، حرصنا على فتح القنوات الدبلوماسية. لقد أظهرت تركيا بشكل واضح أنها تؤيد تخفيف حدة التوتر وتؤيد الحوار في شرق البحر الأبيض المتوسط، ليس من خلال البيانات التي تصدرها فحسب، بل من خلال الإجراءات التي اتخذتها.

ونؤكد على أننا على حقٍ فيما يتعلق بالقانون الدولي. لهذا السبب، نتخذ جميع خطواتنا فيما يتعلق بقضية البحر الأبيض المتوسط في إطار مبدأ تحقيق المصلحة للجميع، وبطريقة تخدم مساعي السلام والأمن وتفيد جميع بلدان البحر الأبيض المتوسط. 

ما هو موقفكم من نضال أذربيجان لإستعادة أراضيها التي تحتلها أرمينيا؟ 

إن احتلال جزء من أراضي أذربيجان، ولا سيما قره باغ التي ترتكب فيها أرمينيا  مجازر في حق المدنيين، مستمر منذ ما يقارب 30 سنة.

بسبب عدم اكتراث المجتمع الدولي لسنوات بهذه المجازر وعمليات الاجتياح المسلح، واصلت أرمينيا خطواتها العدوانية بشن هجمات جديدة على المدنيين.

لذلك اتخذت أذربيجان إجراءات لإعادة أراضيها المحتلة وهي الآن تستعيد المناطق التي استولت عليها أرمينيا عن طريق أعمال السلب والنهب. 

وقفت تركيا وستواصل الوقوف إلى جانب دولة أذربيجان وشعبها في قضيتهم العادلة “أمة واحدة في دولتين”، كما فعلت حتى اللحظة الراهنة. وسنواصل دعم أشقائنا الأذربيجانيين بكل ما أوتينا من وسائل. 

من المؤسف أن الدول والهيئات الدولية التي تدّعي أنها ترعى مبادرة لحلّ هذه الأزمة الإقليمية، جعلت المشكلة تصل إلى طريق مسدود حتى يومنا هذا.

وقد أدى موقف هذه الدول والمؤسسات إلى تمادي أرمينيا وانخراطها في أعمال عدائية جديدة.

لقد كانت مسألة قرة باغ أهمّ أزمة في القوقاز على مدى السنوات الثلاثين الماضية. إن قرار أذربيجان بحلّ هذه المشكلة التي بقيت دون حسم لسنوات، وأصبحت لا تُحتمل مع تصاعد الهجمات التي تشنها أرمينيا، أصبح أمرا ضروريا بحكم التاريخ والقانون والجغرافيا.

بهدف حلّ هذه المشكلة بشكل دائم، من الضروري تنفيذ قرارات الأمم المتحدة والالتزام بالقوانين الدولية. 

تُعتبر أرمينيا التي لا تتردد في إظهار عدواتها للأمة التركية في كل فرصة، أكبر عقبة أمام السلام والاستقرار والأمن في المنطقة.

إن محاولات أرمينيا تسليط الضوء على دور تركيا في الصراع من خلال بعض الأكاذيب، إثر فشلها الذريع في تحقيق أهدافها التوسعية خلال الأزمة الحالية، يمثل دليلا على عزلتها ويأسها.

كما يُعتبر موقف أرمينيا مؤشرا على أنها تريد أن توسع نطاق الصراع في المنطقة. وقد كشفت العمليات الأخيرة من هو الطرف الذي يؤيد فعليا مسار السلام.

أكرر دعوتي للمجتمع الدولي بأن يرى هذه الحقيقة وأن يتخلى عن المعايير المزدوجة التي يطبقها منذ سنوات وأن يتخذ خطوات لإنهاء احتلال أرمينيا للأراضي الأذربيجانية. 

ماذا تقولون عن التقدم الذي أحرزه العالم وتركيا في مكافحة جائحة كوفيد-19 التي طالت العالم بأسره؟

بالإضافة إلى كونها أزمة صحية عالمية، فقد أضحت جائحة فيروس كورونا المستجد معضلة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية للعالم بأسره.

نحن نعتبر هذه الجائحة التي طالت كل البلدان من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، عابرة للحدود، واختبارا كبيرا للبشرية.

نعتقد أن هذا الاختبار يوضح أن العالم بأسره يواجه المصير ذاته، ويمكننا أن ننجح في تجاوز هذا الاختبار من خلال العمل جنبًا إلى جنب.

في ظل إدراك تركيا لهذه الحقيقة، لم نأخذ في الاعتبار صحة مواطنينا فقط، ولكننا أرسلنا معدات طبية إلى أكثر من 150 دولة دون أي تمييز.

لم نتردد في مد أصدقائنا بمستلزمات الرعاية الصحية الضرورية، لا سيما أجهزة التنفس والكمامات التي تُصنع في تركيا.

لقد بذل بلدنا جهودا عظيمة خلال فترة الجائحة من خلال بنيته التحتية الصحية ونظام الرعاية الصحية بالإضافة إلى بروتوكولات التشخيص والعلاج المتقدمة.

كانت تركيا أحد البلدان الأكثر استعدادا للتصدي للجائحة بفضل نظام الرعاية الصحية الذي عملنا على تعزيزه في السنوات الـ 18 الماضية من خلال تركيز 40 ألف سرير عناية مركزة و246 ألف سرير وأكثر من أربعة آلاف مؤسسة علاجية وأكثر من مليون ومئة ألف متخصص في الرعاية الصحية. 

خلال هذه الأزمة، أكدنا لمواطنينا أننا سنسعى إلى حمايتهم معنويا وصحيا من خلال مرافق الرعاية الصحية العملاقة التي أنشأناها بأسرع وقت، بالإضافة إلى 16 مستشفى دخلت حيز الخدمة في جميع أنحاء البلاد.

وعلاوة على التدابير الصحية التي اتخذناها لمجابهة الجائحة، فقد نفذنا العديد من المشاريع التي تحمي مواطنينا اقتصاديًا واجتماعيًا وكنا نموذجًا يحتذى به في العالم.

لقد شاركنا الإمكانات التي تمتلكها بلادنا وخبراتها في مكافحة الفيروس مع حلفائنا. تتواصل الجهود الحثيثة والمكثفة التي يبذلها العلماء الأتراك لتشخيص المرض وتطوير العلاجات واللقاحات المناسبة.

في هذا السياق، تعهدنا بتوفير الموارد من أجل التطوير السريع للقاح خلال قمة مجموعة العشرين في 26 آذار/ مارس 2020. كما أننا نسعى جاهدين للوفاء بالتزاماتنا في إطار حملة التعهدات لفائدة خطة “الاستجابة العالمية لفيروس كورونا”.

تنظر العديد من الدول العربية والإسلامية بإعجاب إلى إنجازات حكومة حزب العدالة والتنمية في الوقت الراهن، مثلما حدث في الماضي.

ولكن التطورات الأخيرة داخل الحزب تثير القلق ليس فقط في تركيا ولكن أيضًا في العالمين العربي والإسلامي. ماذا تقولون إزاء هذه المخاوف؟

شكّل حزب العدالة والتنمية عند تأسيسه سنة 2001 مصدر أمل للأمة، وتولى السلطة بعد 15 شهرًا فقط من تأسيسه.

عندما ننظر إلى ما حققناه منذ تأسيس الحزب، نجد الكثير من الإنجازات والإصلاحات والخدمات التي يصعب أن تجد لها مثيلا.

علاوة على ذلك، طوال تاريخ حزبنا الذي يزيد عن 18 سنة والفترة التي قضيناها كحزب حاكم، لم نقم فقط بتقديم الخدمات وتنفيذ البرامج، بل حاربنا أيضًا قوى مختلفة، من الإرهابيين إلى العملاء. الحمد لله، لقد تمكنا من إنجاز كل ذلك بنجاح كبير.

إلى جانب ذلك، فزنا في جميع الانتخابات التي شاركنا فيها في آخر 17 سنة. بصفتنا حزب العدالة والتنمية وتحالف الشعب، حققنا مرة أخرى فوزا ساحقا في الانتخابات البلدية في 31 آذار/ مارس 2019.

واليوم، يحافظ حزب العدالة والتنمية على حماسه مثلما كان في يوم تأسيسه، بأعضائه البالغ عددهم 10.5 مليون عضوا، وحيويته ورؤيته وشغفه لخدمة الأمة. لا توجد حالة من الجمود أو الضعف في كوادر حزبنا وآفاقه.

من ناحية أخرى، تُعد السياسة عملية ديناميكية، ويُعتبر تجديد كوادر الحزب أمرا عاديا. من الطبيعي أن تكون هناك تغييرات في المهام وحتى بعض الانشقاقات مع مرور الوقت.

لم ينجح أي من أولئك الذين انفصلوا عن حزب العدالة والتنمية وغيروا مواقفهم حتى الآن، ولم تعتمد أمتنا قط على أولئك الذين انساقوا وراء أباطرة الإعلام والقوى الدولية.

لهذا السبب، ننظر إلى أنفسنا فقط وليس للآخرين، ونركز على أجندتنا الخاصة. نعتقد أننا سنواصل خدمة تركيا لسنوات طويلة قادمة طالما حافظنا على روابطنا القوية مع أمتنا.

اجتمع العديد من قادة وممثلي الدول الإسلامية في قمة كوالالمبور التي عقدت في 19 كانون الأول / ديسمبر 2019. هل كان الغرض من القمة تأسيس كتلة إسلامية بديلة لمنظمة التعاون الإسلامي؟
في العالم الإسلامي، تعدّ الأرقام في جميع المجالات تقريبًا، من التجارة إلى السياسة، ومن السياسة الخارجية إلى الصناعة والتكنولوجيا، أقل بكثير بإمكاناتنا، حيث لم تبلغ الحصة الإجمالية للدول الإسلامية في الاقتصاد العالمي 10 بالمئة، وتبلغ فجوة الدخل بين أغنى وأفقر دولة إسلامية أكثر من 200 ضعف. 

اليوم، يكافح 350 مليون من أخواتنا وإخواننا من أجل البقاء على قيد الحياة في ظل الفقر المدقع. على الرغم من أن كل مقومات التنمية البشرية تتوفر في الدول الإسلامية، يجب أن نفكر جيدًا في أسباب المشاكل التي يواجهها المسلمون اليوم، ونحللها ونجد لها حلولا.

ونظرا إلى أنه من غير الممكن أن نحل المشاكل بمجرد الجلوس والنقاش، فمن الواضح أننا بحاجة إلى آليات وإرادة لإزالة الظلم.

تمثل منظمة التعاون الإسلامي أهم أداة لدينا في هذا الشأن لأنها مؤسسة تجمع كل البلدان ذات الأغلبية المسلمة.

إذا تمكنا من الارتقاء بهذه المنظمة، بكل هيئاتها وبرامجها، إلى المستوى الذي نحلم به، أعتقد أنه يمكننا التغلب على التحديات التي نواجهها.

من هذا المنظور، فإن قمة كوالالمبور لا تمثل بالتأكيد محاولة للبحث عن بديل لمنظمة التعاون الإسلامي.

فُسِّر غياب بعض القادة العرب عن قمة كوالالمبور على أنه تهميش للدول العربية وسعي لخلق قيادة إسلامية جديدة. ما هو رأيكم في هذا الموضوع؟

كان موضوع القمة هو “دور التنمية في تحقيق السيادة الوطنية”، وكان الغرض من الاجتماعات التي عُقدت على هامش القمة هو إيجاد حلول لمشاكلنا في هذا الإطار.

ضمن هذا السياق، قبلت تركيا دعوة رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد. ومن المفيد وليس الضار أن تجتمع الدول الإسلامية من خلال منصات وآليات مختلفة إلى جانب الأعمال المنجزة تحت إشراف المنظمة.

أعتقد أننا أصبحنا بحاجة إلى مثل هذه الاجتماعات خصوصا في الفترة الصعبة التي نمر بها حاليًا. أعتقد أن تركيا والدول المشاركة الأخرى لم تكن لديها النية لإقصاء دول أخرى. بصراحة، لا أجد هذه التعليقات صائبة وصادقة.

بالنسبة لبعض الملاحظين، تحولت منظمة التعاون الإسلامي إلى هيكل فارغ بلا جوهر ولم تعد تمتلك دورا في تعزيز التعاون بين الدول الإسلامية ومواجهة التحديات.

هل تتفق مع هذا الرأي؟ لماذا لا توجد أي محاولات لتفعيل الدور النشط لمنظمة التعاون الإسلامي؟ كيف تعتقد أنه يمكن إعادة هيكلة هذه المنظمة وجعل دورها أكثر فعالية؟
على مدى ثلاثة سنوات خلال فترة رئاستنا، بذلنا جهودًا كبيرة ضمن منظمة التعاون الإسلامي لإيجاد حلول لمشاكلنا المشتركة.

لقد بذلنا جهودا للتغلب على العقبات والعراقيل التي تسببها الإجراءات القانونية من خلال تعزيز وسائل التبادل التجاري والاستثمار.

كما أنشأنا آليات مثل مجالس التعاون الاستراتيجي رفيعة المستوى، ولجان اقتصادية مشتركة ولجان استراتيجية رفيعة المستوى مع العديد من البلدان بما في ذلك أعضاء منظمة التعاون الإسلامي. 

بالإضافة إلى ذلك، نظمنا جلسات حوار شاملة حول “تسهيل التجارة وتحسين أنظمة إدارة المخاطر الجمركية في دول منظمة التعاون الإسلامي” و”سلامة الأغذية” خلال الاجتماعين الرابع والثلاثين والخامس والثلاثين للجنة الدائمة للتعاون الاقتصادي والتجاري. 

أكملنا إجراءات تأسيس مركز اسطنبول للتحكيم، ونأمل أن يتم الانتهاء من إعادة هيكلة غرف التجارة والصناعة في الدول الإسلامية بنجاح قريبًا. من المهم التعريف بنظام اتفاقيات التجارة التفضيلية، وأعتقد أن فعالية المنظمة ستزيد أكثر عندما نضع القرارات التي نتخذها موضع التنفيذ وعندما نناقش مشاكلنا ونجد الحلول لها دون مواجهة أي عقبات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى